الشيخ محمد رشيد رضا
116
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى ) الخ فأول الآية من قول موسى في جواب فرعون وقوله « فَأَخْرَجْنا » التفات عن الحكاية وانتقال إلى كلامه تعالى عن نفسه ، خاطب له من انزل إليهم هذا الوحي من خلقه ، تنبيها لهم بتلوين الكلام ، وبما في مخاطبة الرب لهم كفاحا من التأثير الخاص ، إلى كونه هو المسدي لهذا الانعام . واقتصر بعض المفسرين على أن المخاطب بهذه القراءة من كان من بني إسرائيل في زمن النبي ( ص ) فأفادت قراءة ابن عامر أن موسى قالها لقومه في ذلك الوقت ، وفادت قراءة الآخرين أن محمدا ( صلّى اللّه عليهما وسلم ) ذكر بها قوم موسى في زمنه كما تقدم في سورة البقرة وهذه فائدة الجمع بين القراءتين وهي من اعجاز إيجاز القرآن ( الثاني ) أن قراءة الالتفات من جملة الحكاية عن موسى ( ع . م ) اسند الانجاء فيها إلى اللّه تعالى مع حذف القول للعلم به من القرينة أو بدونه أو إلى نفسه وحده أو مع أخيه للإشارة إلى جعله تعالى هذا الانجاء بسبب رسالتهما وتأييده تعالى لهما بتلك الآيات والمعنى واذكروا إذ أنجاكم اللّه تعالى بفضله - أو إذ أنجيناكم بارساله تعالى إيانا لأجل ذلك وبما أيدنا به من الآيات - من آل فرعون حال كونهم يسومونكم سوء العذاب بجعلكم عبيدا مسخرين لخدمتهم كالبهائم فلا يعدونكم منهم ، وخص بالذكر من هذا العذاب شر أنواعه بقوله : يقتلون ما يولد لكم من الذكور - ويستبقون نساءكم بترك الإناث لكم لتزدادوا ضعفا بكثرتهن - وهذا بدل بعض من كل . وفي ذلكم العذاب والانجاء منه بفضل الرب الواحد عليكم وتفضيله إياكم على أولئك العالين في الأرض وعلى غيرهم كسكان البلاد المقدسة التي سترثونها بلاء عظيم أي اختبار لكم من ربكم المنفرد بتربيتكم ، وتدبير أموركم ليس وراءه بلاء واختبار ، فان أجدر الناس بالاعتبار والاستفادة من احداث الزمان ، من يعطى النعمة بعد النقمة ، وأحق الناس بمعرفة وحدانية اللّه تعالى واخلاص العبادة له من يرى من آياته في نفسه وفي الآفاق ما يوقن به انه لا يمكن ان يكون لغيره شركة فيه أي فكيف تطلبون بعد هذا كله ممن رأيتم هذه الآيات على يده وليس لها فيها أقل تأثير ان يجعل لكم إلها من أخس المخلوقات تجعلونه واسطة بينكم وبين اللّه تعالى وهو قد فضلكم عليها وعلى عابديها ومن هم ارقى منهم ؟ وقد غفل الشهاب الخفاجي عن كون نفضيلهم على العالمين لم يكن الا بدعوة